القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار الاخبار

" الطبيب الإنسان " د/ محمد مشالي نموذجا

      

 إن أخلاقيات وفحوى قسم مهنة الطب، بل وحتى القيم والمبادئ المستوحاة من هوية ومرجعية الطبيب، تجعل من هذا الأخير صاحب رسالة نبيلة وسامية، سمو هامته وهو يسهر وقافا وواقفا على رأس المريض تطبيبيا وعلاجا، وفي الأخرى بيضاء ناصعة نصاعة لون المئزر الذي يرتديه في هيئة " الجندي الأبيض "، سلاحه سماعة وجهاز قياس الضغط، ليس حماية للحدود والثغور ولكن حامل هم لا يقل عن هم حماة الديار، ألا وهو حماة صحة المواطن، يكون سببا في إنقاذ حياة هذا، أو تجنيب ذاك ألم الجراحة وتبعات المرض المزمن يبتغي وجه الله ليس بالمجان، ولكن مسبلا لعلمه نية ووفاء للقسم، مع أخذ حقه المادي من دون إفراط أو تفريط.

فتحية خالصة خاصة للأطقم الطبية أينما حلوا وارتحلوا، أخص بالذكر المرابطين في أروقة مصالح الوباء، مع ما ألم بنا من جائحة العصر " كورونا " أو هذا " الكوفيد 19 " المستجد، الذي أخلط الأوراق المعيشية عالميا وقلب الموازين صحيا ، حيث بات يفتك بالملايين عدوى وبمئات الآلاف موتا، مما نجم عنه فقدان عدد لا يحصى مصادر قوت عوائلهم، على إثر تعليق حركة التجارة والحجر على بني البشر، وتناظريا لذلك اتساع بؤرة الفقر والحاجة، ومعه ارتفاع وتيرة الجرائم والانحراف نتيجة غلاء المعيشة وركود الاقتصاد العالمي، مما يعني أن أهم إجراء عملي نتخذه كل من موقعه علاجا للواقع المعاش المتردي هو المشي عكسيا في التسيير لا العكس، بمعنى كلما اشتدت الحالة ماديا لابد لنا من التعامل معها بمرونة وسلاسة خاصة لعديمي الدخل أو الضعيف، ونحن في وضع كوضعنا لا نحسد عليه ترتفع تكلفة علاج " المكورن " مثلا إلى أزيد من 02 مليون سنتيم بحساب تكاليف الأشعة والتشخيص، وحق الأدوية ناهيك عن حقوق التحاليل والأشعات الأخرى، كان الله في عون الفقير.  

وهذا ما يقودنا، إلى تغيير النظرة النمطية التي من خلالها حصرنا علم الطب في خانة تخصصات العلوم

التجريبية، طبيعة وحياة من الزاوية العلمية، أما من جهة المزاولة اليومية والتواصلية مع العليل فهي - في نظري المتواضع - تنزوي تحت مسمى " العلوم الإنسانية " بمفهوم الإنسان، ليس أدبا نثرا وشعرا، ولكن  أدبا وأخلاقا ومعاملة شفقة نظرة ورحمة تطبيقا، لمن هو محتاج لعافيته.

ختاما أقول : وفي خضم هذه الحالة المتردية التي يحياها العالم أجمع صحيا واقتصاديا، وما ينجم عنها من آثار نفسيا واجتماعيا، خاصة على المستوى المادي للفئات الهشة والفقيرة، تطل علينا نماذج مشرفة في عالمينا الإسلامي والعربي، تحتاج منا تحية إجلال وإكبار وتعظيم تحية سلام، نظير ما قدموه لرسالة الطب النبيلة والطبيب النبيل، خدمة للبشرية جمعاء كأنموذج والأمة كميدان، وهذا بشهادة المرضى كما هو الحال مع مثالنا الذي ذاع صيته في الآفاق مشرقا ومغربا، وشهد له المرضى والأصحاء بطول يده في خدمة الفقير والمحتاج صحيا وحتى ماديا، ألا وهو الدكتور محمد عبد الغفار مشالي رحمة الله عليه، طبيب الأمراض الباطنية وطب الأطفال والحميات و" طبيب الغلابة "، ابن أم الدنيا نزيل مصر ودفينها، الذي سبل نفسه وعيادته بعلمه ووقته وإمكانياته، لخدمة الفقراء والمساكين من مرضى سكان المصر الذي عمر فيه، فلا هو يعالج مجانا لأن ظروف الحياة  تقتضي تحصيل مقابل الجهد لتغطية مصاريف حاجياته الشخصية والأسرية،ولا هو يعالج بمئات الجنيهات، يثقل كاهل المحتاج العليل الذي وضع بين نارين، نار تكلفة العلاج الملتهبة ونار نفقات عياله، مما يدخله في نفق ذو ممرين أقصرهما مميت، فإما الاستدانة وهي هم في الدنيا والآخرة وإما الصبر مع تعفن الوضع إلى أن يسلم روحه إلى بارئها.

حقيقة، نحن في حاجة إلى أن يكون في كل مصر من أمصار عالمنا الإسلامي طبيب " مشالي "، يكون عونا للغلابة، نموذجا ومثالا يقتدي به أثناء آداء مهامه وإيصال رسالته، يجعل على الأقل نصيب من جهده ووقته وعلمه زكاة للفقراء والمساكين، لا أقول بالمجان - حتى لا يتهمني البعض - ولكن بتخفيف حقوق التشخيص والتحاليل والأشعات وحتى العمليات لفئة الفقراء والمحتاجين وذوي الدخل المحدود والضعيف، وقد هذه بمثابة دعوة من أخ محب.

وفي مصرنا، الجزائر الحبيبة ولله الحمد والمنة، أمثلة ونماذج لأطباء منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر لا يقل شأنهم عن غيرهم في مصر وغيرها، اختاروا طريق الإنسانية في رسالتهم المقدسة، فاقتفوا أثر نموذجنا عليه رحمة الله، فكانوا بحق خير خلف لخير سلف قولا وفعلا، يحتاجون منا الشكر والاحترام والتقدير والتحفيز مع التشجيع لمثل هكذا مبادرات من الدولة والشعب، بداية من إبن مسقط رأسي ولاية الشلف الدكتور عاطف نعاس عرابة الملقب بـ "طبيب الفلاحين" في القرى والمداشر شكر الله سعيه، والدكتور بايو جمال الملقب بـ " طبيب الزوالية " اسما على مسمى بمقابل التشخيص لا يتجاوز 300 دج، وابن مدينة غليزان رحمه الله الذي توفي منذ أيام الدكتور "محمد بوشريعة " والملقب بـ " طبيب الفقراء "، والدكتور أحمد خلفي المختص في الأمراض المعدية، ابن مدينة عروس الهضاب سطيف العالي والذي سعر الفحص عنده لا يتجاوز 200 دج، دون أن ننسى المرحوم بإذن الله، الدكتور عمار صمايلي ابن مدينة باتنة الأوراس الأشم، المختص في طب العيون ، والدكتور الذي غيبته الكورونا عن الفقراء والمساكين محمد توات رحمة الله عليه الذي كان بمثابة طبيب وصيدلي للمحتاج في آن واحد، والطبيب الدكتور " كمال بومنجل " ابن مدينة الجسور المعلقة قسنطينة محبوب الشعب وطبيب الغلابة، لم يكفه التشخيص المجاني " للغبان " بل تكفل حتى بشراء الدواء له رحمه الله وأجزل له المثوبة ، هذه فقط عينة من عينات " الطبيب الإنسان " في جزائر الغلابة، ممن ذكرتهم ولم أذكرهم رحم الله ميتهم وحفظ الله حيهم وجزاهم الله خيرا عنا وعن الأمة خير الجزاء.             

 ينبغي أن يكون في داخل كل واحد منا " إنسان " ليس شحما ولحما فقط، بل نفسا مع ما تحوية مكونات الأنا من مشاعر وأحاسيس، تحركه الفطرة التي خلقه الله عليها مع نفسه وخاصة مع غيره شفقة ورحمة، فما أحوجنا لتفعيل أيقونة " المواطن الإنسان " الذي أهمس في أذنه فأقول: " حينما تدرك بأن العطاء المدهش ليس له حدود، وحينما تدرك مرة أخرى بأن أكبر منحة إلهية للمعطي هي أن يتقبل منه ما أعطى، يكون يقينك حتما وضرورة بأن تقديم الخير والمساعدة لغيرك، ليس جزاء أعظم له من القبول في حد ذاته حتى ولو لم يكن هناك ما يقابله ". 

أخيرا، نسأله المولى تعالى أن يرفع عنا هذا الوباء والبلاء ويقينا شر الغلاء والغباء عاجلا غير آجل ، وأن يكثر الله سواد من ذكرنا ويعطي لحيهم وميتهم على قدر ما قدموا وأكثر إنه بالإجابة جدير وعلى ذلك قدير.

الأستاذ : ربيع ميسوم.

كاتب وباحث في التنمية البشرية والتدريب والتطوير الشخصي.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات